الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

414

تفسير روح البيان

وتحقيق ذلك ان جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للانسان عند استدعاء الطبيعة لبدل ما يتحلل من البدن مشوقة له إلى المطعوم والمشروب بحيث يتلذذ بهما عند الاكل والشرب ويستغنى بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما قوة وسمنا عند انهضامهما بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند اضطرارهم النار في احشائهم إلى إدخال شئ كثيف يملأها ويخرج ما فيها من اللهب واما ان يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الاكل والاستغناء به عن الغير أو استفادة قوة فهيهات وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شئ مائع بارد يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو استفادة قوة به في الجملة وهو المعنى بما روى أنه تعالى يسلط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم فيشوى وجوههم ويقطع أمعاءهم وتنكير الجوع للتحقير اى لا يغنى من جوع ما وتأخير نفى الإغناء عنه المراعاة الفواصل والتوسل به إلى التصريح بنفي كلا الامرين إذ لو قدم لما احتيج إلى ذكر نفى الاسمان ضرورة استلزام نفى الإغناء عن الجوع إياه بخلاف العكس ولذلك كرر لتأكيد النفي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ اى ذات بهجة وحسن وضياء مثل القمر ليلة البدر وبالفارسية تازه باشد اثر نعمت درو پيدا . فناعمة من نعم الشيء بالضم نعومة اى صار ناعما لينا ويجوز أن يكون بمعنى متنعمة اى بالنعم الجسمانية والروحانية وهي وجوه المؤمنين فيكون المراد بها حقيقة النعمة وانما لم تعطف على ما قبلها إيذانا بكمال تباين مضمون الجملتين وتقديم حكاية أهل النار لأنه ادخل في تهويل الغاشية وتفخيم حديثها وفيه إشارة إلى نعيم اللقاء الذي هو ثمرة اللطافة والنورية التي هي نتيجة التجرد كما قال تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فان بالنظر إلى الرب يحصل نضرة اى نضرة لِسَعْيِها راضِيَةٌ اى لعملها الذي عملته في الدنيا حيث شاهدت ثمرته ورأت عاقبته الحميدة فاللام متعلقة براضية والتقدير راضية سعيها فلما تقدم المعمول على العامل الضعيف جيئ باللام لتقوية العمل ويجوز أن تكون لام التعليل اى لأجل سعيها في طاعة اللّه راضية جزاءها وثوابها ودخل في السعي الرياضات والمجاهدات والخلوات فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ اى كائنة أو متمكنة في جنة مرتفعة المحل فان الجنات فوق السماوات العلى كما أن النيران تحت الأرضين السبع وأيضا هي درجات بعضها أعلى من بعض والدرجة مثل ما بين السماء والأرض فتكون من العلو في المكان وفي الحديث ( ان المتحابين في اللّه في غرف ينظر إليهم أهل الجنة كما ينظر أهل الدنيا إلى كواكب السماء ) ويجوز أن يكون معنى عالية علية المقدار فتكون من العلو في القدر والشرف لتكامل ما فيها من النعيم وفيه إشارة إلى المقامات العالية المعنوية لأنها مقامات أهل الوجاهة والشرف المعنوي فلا يصل إليها أهل التمني والدعوى لا تَسْمَعُ أنت يا مخاطب فالخطاب عام لكل من يصلح له أو الوجوه فيكون التاء للتأنيت لا للخطاب فِيها اى في تلك الجنة العالية لاغِيَةً لغوا من الكلام وهو ما لا يعتد به فهي مصدر كالعافية أو كلمة ذات لغو على أنها للنسبة أو نفسا تلغو على أنها اسم فاعل صفة لموصوف